مركز الدانة الطبي

 

 

Dana Medical Centre (in case you're googling it up)

 

يدعوك الطبيب النزاري المبتسم إلى الداخل، يبتسم أكثر وهو يطلب لك فنجان قهوة، وكأساً من الماء البارد، ويقول، لدينا جهاز بمواصفات عالمية حديث إلى درجة أنه مصنوع في الألفين وسبعة. وتسأله إن كان يعطي الدقة المطلوبة، فيجيب مستغرباً من السؤال: عماذا تتحدث؟ إنه دقيق جداً، أكثر من أجهزة المشفى الذي تذهبون إليه.

 

فاقتنع أنا، بطيبة قلب، وكذلك زوجتي.

 

لا أقصد هنا التعرض للنزاري ولا لمركزه ولا حتى للطبيبة التي سآتي على ذكرها بعد قليل، بل أنا أحاول رسم صورة لواقع أخاذ من واقع الطب، المهنة الأكثر جلالة على الأرض، كيف أصبحت وكيف سيكون مستقبلها. أولئك المتشدقين بالحضارة والغربية والعالمية والديمقراطية كيف تناسوا أن كل شيء عند المستغربين يقاس بالفلوس والدراهم والدنانير، حتى المرض والمرضى.

 

الحادثة التي انا بصددها حدثت معي منذ حوالي الشهر، ولكن اليوم عرضت البي بي سي الانكليزية مقالاً حول الصحة والتأمين الصحي في الولايات المتحدة الأمريكية، ووصفت فيه إحداهن المرضى بأنهم "زبائن"، وعندما سألتها المعلقة عن سبب استخدام هذه الكلمة بدل "المرضى"، أصرت على كلمة زبائن، فهم زبائن، والزبائن في تعريفهم الأساسي، هم من تأخذ منهم نقوداً مقابل خدمة، وليس "من تقدم لهم الخدمة – فقط – كالمرضى"...

 

باختصار، زوجتى حامل، وفي شهرها السادس، ولما نعرف بعد ما جنس الجنين. ليس لأننا نفضل جنساً على آخر، ولكن لرغبتنا في انتقاء "ديارته"، فديارة الطفل الذكر غير الطفل الأنثى. ولما لم تكن أجهزة المشفى الحكومي الذي تراجع فيه غير دقيقة بما يكفي لتحديد جنس الجنين، قررنا أن نجرب إحدى المراكز الخاصة. ولأنه سبق وأن أتينا إلى هذا المركز لإجراء بعض التحاليل الطبية، قررنا أن نعود ونسأله.

 

قال لنا النزاري وقتها، أن الطبيبة النسائية في المركز "شاطرة" وتعمل في مشفى كذا وتداوم بعد الظهر في عيادة كذا وفي "الويك إند" تشتغل على بسطة الدكتور كذا،،، المهم أنه حمد فيها وأثنى عليها، وقال تعالوا عند التاسعة.

 

وعدنا، وانتظرنا شوطاً من الزمن، وكان التلفزيون الحائطي المعلق يعرض مباراة كرة القدم بين الامارات والكويت، على ما أذكر. ودخلنا إلى العيادة. واستقبلتنا الدكتورة بالحل والترحاب، والتأهيل والتسهيل، وحتى أنها طلبت لنا ماء باللغة الروسية، تخيلوا، كما انها خرجت لتضع ملاحظة للنزاري الذي كان يتكلم الروسية هو الآخر، فقد كان يكلم مريضة روسية يبدو أنها قريبة الممرضة السكرتيرة – الروسية أيضاً. خفنا أن يكون المركز موقعاً عسكرياً من مخلفات الحرب الباردة. ولكنهم كانوا يتكلمون العربية أيضاً، مثلنا. فاطمأنت سرائرنا.

 

بدأت الدكتورة بأسئلتها، وقلنا لها إجاباتنا بطيبة قلب مرة أخرى. وقلنا لها يا دكتورة نحن هنا لنعرف جنس الجنين فقط، فالفحوصات كلها سليمة، ومطمئنين إلى أبعد الحدود ووجودنا هنا ليس لأخذ ارشادات حول وجوب عدم شرب القهوة ولا الشاي ولا العصير الطبيعي – أنا لا أفهم في الطب أبداً، ولكني مصر على أن نصيحة التقليل من شرب الماء والعصير إلى الحد الأدنى في هذه الأجواء الخانقة لا تمت للطب بصلة، بصلة – المهم، قبلنا نصائحك المسهبة بالابتسامات والاشارات والاعادات واللف والدوران مثل سيناريوهات الحلقات الأخيرة من مسلسل رمضاني ممل، يحاول فيه كاتبه ملء الصفحات بالحشو فقط.

 

وقامت بعد عناء عنيء، أقصد جهد جهيد، لتشغل جهاز الأشعة فوق الصوتية – السونار- واحزروا ماذا؟ لقد كان جهازا صغيراً قديما، واعتقد أنه أقدم من ذاك الذي اعتدنا عليه في المشفى. واحزروا ماذا؟، كانت صورته أسوأ بكثير، لا بكثير أكثر..... وقامت الدكتورة المخضرمة بإعطاء قصاصات صحة وقائية وصحة عامة وتخويفات من شرب الماء في الليل ومن شرب زيت الحوت الأبيض في النهار.. لا أدري كانت تريد أن تقطع الصمت النابع من مراقبتنا للشاشة السوداء، وتحاول التركيز على حسابات الأيام والأشهر في الصورة. وكنت أراقبها من الخلف، وهي تحاول الامساك بالدائرة المرسومة على الشاشة، وأنا أميل بجسمي كله كنوع من المساعدة المعنوية لها، ولكنها في كل مرة كانت تضيع الدائرة فتنتقل إلى قياس عظم فخذ الجنين، ولا تفلح بذلك أيضاً. قلنا لها أن تحاول معرفة جنس الجنين، فقالت أنها لا تستطيع، فوضعية الجنين لا تسمح. قالت لها زوجتي بأننا لن ندفع أو لن نخرج حتى نعرف جنس الجنين. الكتورة لم تعجبها هذه المزحة، فقالت أنها لن تستطيع ستتأخر على مريضتها التالية، تضايقت الدكتورة، تضايقنا لأجلها، ربما عشر دقائق مرت وهذا كثير عليها، فقد يؤذي ذلك عصبها الوركي – على رأي ابو صالح.

 

المهم، شكرنا الدكتورة، وواسيناها، بدل أن تواسينا لأنه لم تفلح في مهمتها، ولكنها قالت لنا ناصحة بأن نعود غداً أو بعد غد، أو ربما الأسبوع القادم. وقلنا كم هي مهتمة لأمرنا، ولم يخطر ساعتها بأنها مهتمة بجيوبنا. لم تعطنا تقريراً، والصور التي من المفترض أنها صورتها، لم نحصل عليها، ولم نعلم حتى أياً من الارقام التي حاولت الحصول على شاشتها، فقط كانت مهتمة بأن لا تطيل الوقت المخصص لنا، كان اهتماماً رائعاً بلا أدنى شك.

 

عند الممرضة السكرتيرة الروسية، عرفنا نوع ذلك الاهتمام، عندما حررت لنا وصلاً بمئتي درهم إماراتي، 55 دولار، 40 دينار اردني، 2500 ليرة سورية، 300 جنيه مصري، تخيلوا...... زوجتي توسعت حدقتا عيناها وهمت تريد سؤال الدكتورة عن القيمة الطبية العالية التي قدمتها لنا حتى تطلب مثل هذا المبلغ لقاء لذلك. منعتها من ذلك.

 

يا ليتني ما منعتها.

 

كانت ليلة قاسية علينا، ليس لأنه دفعنا مثل هذا المبلغ. لا على الإطلاق ليس هذا السبب. ولكن أن تتفاجئ بأن إنساناً تحترمه وتقدره كونه طبيب وكونه إنسان قدير تثق بأن تضع حياتك بين يديه، يظهر بأنه مستعد لأن يدلك لك قدميك لتعطيه نقودك. ونقودك هي ما يضحك لأجله، وليس لأنك مريض ولأنه طبيب ولأن قلبه كبير يسع كل مرضى الإنسانية، ولأنك جزء من رسالته السامية.

 

اليوم كانت مقولة البي بي سي صائبة، أنت في المشفى وفي المركز الطبي زبون تحمل نقوداً، وسياسة (الشركة – المشفى) تعمل على تشليحك أكبر قدر من نقودك في أقل فترة من الزمن وبطريقة قانونية، فالدولة هي من سمحت لهم بذلك.

 

تحياتي

 



--
PAX VOBISCUM


0 كتبوا ردوداً:

إرسال تعليق

تحية

لذتي التي كادت أن تكون وحيدة في هذا العالم المؤطر بالنسيان، هي أن أكتب لك، ولك أن ترى كم أعاني في عالم يفتقد لرائحة اللذة، والفرح، فاعذرني، ما استطعت إليّ سبيلا..