لا همّ بي

صامت، لا هم بي إلا الصمت الدفين في صدري يدفعني أتنفس من قدميَّ جيئة وذهاباً في غرفة صغيرة من فندق صغير في قلب المدينة.

لا هم بي. سجائري ليست لي. وكذا زمن يتطاول نحوي لا إلي ولا مني ولكنه فيّ ويأبى الخروج منذ أمد وأنا أسابقه جيئة وذهاباً ويأبى التراجع وأنتظره ولكنه رحل قبلي منذ أمد وتركني بزمن يتطاول فيّ ويسرقني.

يخنقني، ولا أختنق. فأنا هنا لا زلت. وجهي مثلما عرفته أزلي. يتناثر شعري على حاجبيّ فأرفعه. بلطف، كيما أشعره بضيق الفراغ من حولي. وينام خفيفاً كما النسمات في الخارج وداخلي يتباطأ الركود فأحنو برأسي كيما أنتبه لضيق الزمن المتكدس فيّ أمداً لا بقريب ولا ببعيد.

أتنفس من كلمات لا تقال فتغمرني الوحشة. أين أنت يا مليكة الظل ويا جنية العتمة. معلق على الحائط جسمي وأرقبه كزائر سحرته الدهشة فانكفأ يلملم ذاته ليرحل. فمي تعتريه الصدفة والغفلة تتسرب من النَفَس الواهي ذبولاً ولا أتنفس.

أين أنا إن كنت لا أبصر فمي ويدي واللحظة. مقيم في زوايا الذات ولا أجرؤ على السكون فأرتعش. قلبي يسكن في قارورة من صور ممزقة وقديمة.

أين أنت لا تطلعين إلا من بقايا الجفاف المتناثر كالطفح فوق شفتيّ، كغمامة غبار معلق خلف سكون المشاهد. أنكمش كيما أشعر بالبرد يخرقني. لا شيء يمنحني أملاً بالهروب فأشعر بالخوف.

إني غائر في زمن الرهبة وأغرق في العمق ولا أستطيع منه سبيلاً. لا أنت هنا ولا إلاك يبقيني ويبقي عليّ فأهمس إليك ما بقي مني وما يفنيني. ولا أجد إلا الصمت الرهيب غلالة تحبسني في نفسي وتبكيني.

أركن إلى طاولتي، أحاور الكائنات الحجرية حولي تراقبني منذ الأزل وأملأ صدري هواء سجائري الطعم وأستأذن أصابعي لألتقيك. أسافر ولا أعلم إن كنت أسافر إليك أم عنك أرحل. هي الصدفة وهي قدر مخطوط على صخرة على جرف على طرف الصحراء من الجهة الأخرى. لا أعلم إن كان ذنبي، ولا أجرؤ أن استدعي عذراً ولا اتهاماً ولا عريضة احتجاج. لا أصابع لي لتحتج ولا خيمة لي في الصحراء تقبل بي طريداً. وأقبل بالرحلة شريداً لا حول لي ولا جملاً ولا قارورة ماء تحملني إليك، وبعيد هو السبيل ولا دليل لي يأخذني معه. أغدو أسير هذا الدوار فأقر بالهذيان.

لو يبقى مني شيء لكنت قاومت، ولكني أعرف أني مهزوم لا محالة ومتروك لزواحف الأرض تنهشني. أملٌ يتسرب من شبح ممزق يتراءى في الأفق كسراب ممتد من صيف أخضر باهت ومالح بعض الشيء قد يقبل بي وينتشل مني بعض قطرات لتحييني.

أتحسس جبيني فأعرف أني لا زلت أحلم برؤيا لا تنفك تسحبني إلى المجهول. أتخبط في حلمي، أمسك سلاسل القدمين. أنهض. أعرف أني أجازف لكن لا محالة هو السيل قادم ويجرفني. سأعرفه بعد قليل، وبعد قليل سيعرفني. لا مفر من الصمت إلا الصدى وحولي يتردد السكون ولا أعجبه ولا أرغبه ويرهبني وأعرفه يأكلني كي أندثر.

اصمت ولا تتحرك، يقول الصدى، ولا تستدر، يأتيك ما لم يكن إلا لك ومنك سينتثر. انتظر، لست إلا عليقة متروكة للريح، وستنكسر.

صمت....

صمت....

أهوي على نفسي، أمسك رمالاً ممزوجة بالشمس ورائحة المر وعظاماً مهترئة. وأذوب.

صمت...

في العمق، في منابع الظلمة والليل، أستحيل شجرة لوز، الثلج يملأني. ابتسم. اكتب قصيدتي الأخيرة "لا تيقظوني يا اهل الأرض، الفرح يغطيني".



--

1 كتبوا ردوداً:

Nawfel 29 أغسطس، 2008 6:20 م  

دمعت عيوني
او يمكن حسيت قديش انا ضعيف اما انته تكون مهزوم
المشكلة انو بدك تظل تركض لأنو ما عم تركض لنفسك... تذكر طفلك الي بالطريق... او تذكرني يا زلمة ههههه
مدلي ايدك خلينا نقوم سوا!!!

إرسال تعليق

تحية

لذتي التي كادت أن تكون وحيدة في هذا العالم المؤطر بالنسيان، هي أن أكتب لك، ولك أن ترى كم أعاني في عالم يفتقد لرائحة اللذة، والفرح، فاعذرني، ما استطعت إليّ سبيلا..