إلى أمنية: وكيف يتهموننا أننا شعب لا يقرأ
"و كيف يتهموننا أننا شعب لا
يقرأ...يعني من وين كل هالكتابة عم تجي ازا كنا ما عم نقرا!"
من أماكن كثيرة، من طائفة كبيرة من الممثلين والسياسيين والمشايخ ومذيعات التلفزيون.
عادل إمام يغذي المصريين وعزة الشرع تغذي السوريين ومحمد عبدو يغذي الخليجيين، ومئات لا بل عشرات الآلاف من الشيوخ (جماعة الجيل الذي يسبقنا) القابعين في الحارات وفي المضافات وعلى المنابر وخلف شاشات التلفاز يطرحون آراءهم على الملأ وبثقة عالية، وبدون أن يقرأ من كل هؤلاء أحد.
وأخيراً، من قال لك أننا نحتاج القراءة، يكفينا كمية الكلام الذي نتقيؤه كل يوم، ويكفينا الجمل الفارغة التي اخترعناها والشكاوى الدائمة عن الوضع والناس والحكومة، وملايين الكتب الشفوية التي تتحدث عن الفقر والذل والهزيمة وفقدان الأمل. ثقافتنا محكية، والآن نتحول إلى كتابة هذه الثقافة. انظري، أكبر برهان على ذلك الويكيبيديا المصرية، بكل ما تحويه من قرف وتشويه ثقافي في الصميم. لا تنظري إلى المدونات الخليجية، لأني أنا لا أستطيع، كلها "شلونك" و"شخبارك" و"جزاك الله خير" وفضيحة فلانة وعلان وآخرها "عمأمزح معاكم على شان تتعظوا"....كلها من نوع "الفوروردات" التي تأتيك في الايميل، وأحذفها. وفيها الكثير من الشائعات والأغلاط واللغط والكفر بالعقل والإنسان معاً.
مللت. وكرهت القراءة بالعربية زمناً طويلاً حتى عدت منذ أيام لأرى مدوناتكم المضيئة، والمشعة، والبعيدة عن كل هذا الأسى والقريبة من كل ما يوصف بالأمل. واعتراني نوع من التفاؤل.
قد يتهمني أحدكم بالتعميم، فأعتذر، هناك مواقع خليجية بترفع الراس وكذلك مصرية وكذلك سورية، ومن كل أنحاء العالم العربي، ولكن مقال واحد قد يعكر مزاجك طوال النهار وربما طوال الاسبوع. فاعذروني، لا أفجعكم الله بعزيز. والعربية، وأصدقكم القول، عزيزة علي أكثر مما تتصورون. ومنذ بدأت أفك الحرف عن الأوراق المرمية في الشوارع وأنا بعد طفل في الرابعة، وأنا أعشق العربية. فاعذروني إن كنت أصب جام غضبي عليكم، فأنتم لا تعرفون ماذا تفعلون بشيء أعشقه منذ الأزل. ولا حيلة لدي ولا فتيلة، فلا أستطيع أن أطالكم لا من قريب ولا من بعيد.
وعود على بدء، "نحن شعب لا يقرأ" هي مقالة خاطئة، بل نحن نقرأ كل ما لا حاجة لنا به.
هنا أستشيط (كعادتي) وأخرج لأدخن سيجارة ثم أعود.
كثيرة هي مجازرنا بحق العربية، من المحيط إلى الخليج. إن لم يكن موروثنا الكتابي الحديث مليئاً بالكلمات العامية، فهو ملئ بالأغلاط الإملائية، وإن لم يكن الإملاء فهناك أغلاط نحوية، وإن تعلمنا قواعد النحو والإملاء، فهناك ولا بد ركاكة في الأسلوب، وتشويه في المعاني، وفقدان لأبسط القدرات في المحاكمات المنطقية والاستقراءات أو الاستنتاجات المعقولة. كثيرة الأمثلة التي تدور في ذهني، ولا أجرؤ على ذكرها، لأنها أمثلة ناقصة وأسلوبي هنا ليس علمياً لأورد ثبتاً بالمراجع والمصادر والأمثلة. يكفيكم أن تفتحوا أي "منتدى" لتتحققوا، إن كنتم لم تدركوا سوء الوضع بعد. ومنكم الكثير من علق على الموضوع، كل من وجهة نظره، ومنهم ما قرأته اليوم بالذات هنا. وهي تشبه الكثير من الرسائل الالكترونية التي وصلتني علي نفس الشاكلة. أخطاء لغوية في الشوارع. في الخليج، يعهدون بصناعة "الآرمات" إلى طائفة من الهنود والباكستانيين والبنغال، وتمتد المجزرة إلى صناعة "البروشورات" والدعايات والإعلانات وحتى صحافتنا المخجلة. بل أبعد من ذلك، الكتب المترجمة إلى اللغة العربية أكبر مثال حي على هذه المشكلة. أضحك عندما أتذكر سنوات الكلاب. ولكن ضحكة مريرة، ملؤها الأسى.
ونعود إلى أن كل كلامنا مطبوع بالأسى. برأيي، أن هذه مرحلة نقاهة تمر بها لغتنا العربية، وهي مرحلة سليمة وضرورية وطبيعية، بمعني أنه لتبني يجب أن تهدم، لعل وعسى يحمل المستقبل ما هو أكثر اشراقاً وجمالاً. وعندما أقول طبيعية، فأنا أعني أنه بتحليل الأسباب التاريخية التي أوصلتنا إلى ها نجد الكثير منها، ولا تسألوني عن الحل. تعرفون أنه يكمن الحل يكمن في النضال (كم كلاسيكية هذه الكلمة)، بأقلامنا العربية الخالصة. وبنشر اللغة العربية الصحيحة. هنا يمكن أن تجبروا الذي لم يقرأ في حياته أن يقرأ شيئاً مضبوطاً بالنحو والشكل والمضمون، وبالتالي تجندونه معكم في حربكم (هههه) المقدسة.
أحياناً، أجد أني أكتب عبثاً. لا أريد أن أصل إلى حد القرار أن أتوقف عن الكتابة بالعربية، لأني سبق واتخذت هكذا خطوة، واليوم أعود لأني عندي أمل أني سأصنع شيئاً جميلاً، ولن أدخل السجن بسببه (فأنا لا أعرف الكتابة لا بالدين ولا بالسياسة) ولكني قد أكتب في ما تبقى من الثالوث المحرم (وهو الجنس)، فأنا أحبه... أضحك في نفسي، وينتبه لي الجالس جانبي في مقهى الانترنت.
سألت مرة أحد المصريين، هل تعرف كتاب فلان في الجنس، فقال: نعم، وضحك. قلت له: هل قرأته؟ قال: لا، ما هذا السفه (اكتشفت فيما بعد انه يقول هذه الكلمة عن كل ما لا يعجبه)، وما حاجتنا أن نقرؤه؟ فسألته: وهل تعرف كل شيء عن الجنس؟ قال: أعرف ما يكفيني.
وهذه هي مشكلتنا، نعرف ما يكفينا، ونؤمن بأن ما يكفينا قد قرأناه. هنا يكمن جوهر المسألة. ما هو مجهول بالنسبة لنا هو غير موجود. تخيلوا!!!
وأنا صغير، كان كل من معي في المدرسة أو في الصف، يشيرون إليّ باصبع من الاستهجان.. (إنه يقرأ!!) وهذا ما تستطيعون أن تقولوا عنه بأنه بداية المجزرة.
في المدارس المحترمة حول العالم، يطلب من الطالب -الذي ربما قد يكون في الابتدائية- أن يقرأ كتاباَ في البيت ليشرحه فيما بعد لزملائه في الصف كنوع من الوظيفة المدرسية. لم يحدث هذا قط في تاريخي المدرسي. ولا أعتقد أنه يحدث الآن في مدارسنا التي تربو على عشرات الألوف. حتى مادة القصة في اللغة العربية، كانت تعتبر مادة ثانوية، أو "للإطلاع". هنا تجدون ما قد أصفه بجذور التخلف.
ألقي كل اللائمة على مدارسنا ومناهجنا التعليمية دائماً، وألقي اللائمة على كل المحتلين الذين زرعوا في أنفسنا الخوف من الحضارات الغربية وجعلونا نعود إلى أنفسنا فقط لننغلق على ثقافتنا ونشعر بالخوف من كل ما هو مجهول بالنسبة لنا. هذا المجهول الحياتي الذي سمحنا له أن يحدد حيواتنا كلها كأفراد وشعوب وقبائل في الوطن العربي الكبير من المحيط إلى الخليج.
ودمتم.
ضياء.


2 كتبوا ردوداً:
اللغة العربية ستكون لغة العصر بقدر طموح شبابها، وما رأيته منك ليس طموح وحسب، بل طموح وعشق.
لا يخفى على أحد أن الحيز الثقافي للغة العربية على النت هو حيز ضيق جدا،يساوي ضيقه على أرض الواقع.
و الواقع اصلن اسوا
..
عني القي الائمة على البيوت اولا.. و من ثم الحكومات ثانيا...
القراءة مهمة صعبة بالفعل..من الصعب ان تتوقع من شعوب جيوبهم فارغة و معدتهم يهب فيها الريح، أن أقرؤوا.
الجائع يفكر بمعدته أولا و أخرا..
و نحن لم تبدا رحلتنا مع الجوع أمس، كل هذا أدى ألى انحطاط اللغة و التفكير و و و و ..ألخ.
بس بنفس الوقت كما قلت / تفاجأني مدونات بما تحتويه يجعلني أقول ان هناك من يقرأ في هذه الأرض من جيلي!
و من الجيل الذي يلي.
لكني اعتب عليكي تحولك للغة أخرى بعيدا عن اللغة التي تعبدها ، لأن فقط كل ما بحولك يهدّم بها..
عكلن
ما باليد حيلة
مودتي
إرسال تعليق