رواية قصر المطر - لممدوح عزام



إذن فهي رواية عن الموت بقدر ما هي عن الحرب والثورة.
تبدأ الحكاية من فورة غضب رجل واحد سيشكل للرواية المقدمة والخاتمة وخيط لا ينقطع بينهما. الرجل هو كنج الحمدان الذي يتولى مشيخة "المنارة" بعد أخيه.
فورة الغضب هذه تنتقل بالعدوى إلى سكان القرية من مرابعيه وتصيب سعيد عثمان والذي سيكون القتيل الأول في منارة ممدوح عزام. تتسارع بعد ذلك الأحداث ويظهر كامل الفضل، بطل الرواية ونجمها الساطع، بشخصه وعلى لسان حسان الذي تقمص روحه بعد مماته. حسان طفقت ذاكرته التي تفجرت دفعة واحدة تلقي بثقل لا نهائي على أنفاسه، فراح يبحث بين تلافيف ذاكرته الغائمة عن قاتل كامل.
ينسج الكاتب خيوطاً عنكبوتية من الـأحداث ويدور على كل الأشخاص التي يمكن لذاكرة حياة انسان أن تسعها ليفردهم واحداً تلو الآخر؛ ضامن العسال أجير كنج، طلال الراعي، حمود الحسن، سلمان الراضي.... ويسهب في وصف الأوجه والحركات والأمزجة والنظرات وكذلك الأمكنة ويرسم لك جواً من عشرينيات القرن الماضي لتعيش بنفسك في أزقة حجرية وأبنية حجرية وبين أناس قدّوا من حجرٍ هم أيضاً. وفي كل هذا البرود الحجري، يبرز العنصر الأنثوي متقداً، قوياً مفعماً بالحرارة ومليئاً بالإثارة. ففي أوج الصراع على قضية سعيد عثمان، يفاجئنا الكاتب بصباح بشهد حميم سيظل يطغى على حياة كنج الحمدان إلى آخر صفحة من الرواية، وبعد قليل يتحفنا بمشهدي حب استوائيين لدلال، وبعدها يدخل الكاتب إلى حياة آل الفضل واحداً تلو الآخر،،، كامل ثم نايل (مغامرات نايل مع عشيقته هيلة زوجة حامد الحمار تأخذ حيزاً من التفصيل) ثم هايل، ثم صايل، ثم شامل، ثم ثنيّة الأخت الرجولية والأم الساهرة لآل الفضل وزوجها صالح. ثم فضة أخت صباح العثمان،، وغريبة التي يتزوجها الشيخ شمس الدين بعد عدد من الفصول. تبقى هناك أسماء مهمة من قبيل هندة وخليل الشاهين الذي تزوج فضة وكذلك حنا البيطار، وكلها أسماء اختارها الكاتب بعناية،، وإن لم تكن موفقة إلى درجة الكمال، إلا أنها تثير الإعجاب.
بعد حادثة موت سعيد العثمان (أحد رجالات كامل الفضل) يخرج آل الفضل (الحجّارون بالمهنة) إلى أم الجرابيع حقناً للدماء وليبدؤوا فصلاً جديداً من حياتهم يتزامن مع دخول المحتل الفرنسي إلى سوريا. وبعد عدد من المشاهد حول المنارة وأم الجرابيع وأبرز شخصياتها، تبد أحداث الحرب عندما يعلن استقلال دولة الجبل ويصبح كنج أحد رجالاتها. يظهر حينئذ اسم (بهاء الدين) الثائر المغوار وكذلك أسماء عدد من القيادات الفرنسية من مورييل إلى كاربييه ثم لاحقاً ميشو وغاملان.
لا شك إن الرواية تستحق وقفة أطول من مقالة في جريدة، وتستحق كذلك أن توصف بالثناء لأن فيها من التكثيف التاريخي أو الروائي ما قد يستغرق كتابين أو ثلاثة بدون مبالغة.
تعيدنا الرواية إلى أسلوب عبد الرحمن منيف في "حين تركنا الجسر" وقليلاً من "عالم بلا خرائط"، إلا أنها تفشل في توصيف خط زمني واضح المعالم، كما تفشل في رسم هيكل روائي متوازن للأحداث. ومع أن الخط الزمني يتعرف عبر عدد من الأحداث على مدار القصة إلا أن هناك هوات تشذ عن الزمان فتترك فراغاً لا يستطيع القارئ تقبله.
تعج الرواية بالمفردات الخاصة إلى حد اعتبار الرواية أنها مكتوبة مع افتراض أن القارئ ملمٌّ بطبيعة العادات والتعابير والمفردات اللغوية في قرى وبلدان تشبه المنارة. وعلى الرغم من أن هذه المفردات قد أعطت القصة مصداقية وهيبة وجلالة إلى جانب ما أعطتها من الغموض والتشويق، إلا أنها قد تترك القارئ أحياناً في حيرة لا يجد لها مخرجاً.
وبالنظر إلى الوقت الطويل الذي استغرقته كتابة الرواية (وانتظارها حتى رأت النور) أعتقد أنه كان بالإمكان تلافي معضلات زمنية وهفوات ونواقص أو ربما كان بالإمكان إضافة عناصر جمالية أخرى على الأسلوب. رواية "عزازيل" تشبه "قصر المطر" من ناحية الظلمة التي تلفها كونها تتكلم عن ماضٍ أسود ملئ بالخوف والقهر، إلا أن "عزازيل" ليست شائكة، وكل فصل فيها محدود بالمشاهد والتفاصيل، بينما قد تجد في قصر المطر في فقرة واحدة مشهدين مختلفين زماناً ومكاناً.

0 كتبوا ردوداً:

إرسال تعليق

تحية

لذتي التي كادت أن تكون وحيدة في هذا العالم المؤطر بالنسيان، هي أن أكتب لك، ولك أن ترى كم أعاني في عالم يفتقد لرائحة اللذة، والفرح، فاعذرني، ما استطعت إليّ سبيلا..