بين الديوك والكلاب


وجدت زوجتي وهي تتصفح أحد الدفاتر المرمية في المكتبة، هذه الصفحات، ولم تعلم أن هذه الصفحات أرّخت لأحدى يومياتي في العمل.



انصتي،، صمتك يعود علي كما هو دائماً بالسكينة والوحدة والانعزال.

انصتي، فلا حاجة لي بك أن تتكلمي وتبثي فيّ مواجع أحلامك المتناثرة الحالمة بذاتها والمليئة سحاباً ومطراً ودخان..

أحتاج إلى بقعة من الصمت أتمدد فيها وأنتشي بسرية المكان وطمأنينته..

أحتاج أن أتلحف بعض الوقت بتغريبة جنيّ نائم دهراً بحاله..

هل أطلب الكثير؟..


اليوم تأكلني طيور الألفة والوحشة في آن معاً.. فأحس بأن ما هو أنا يختلف تمام الاختلاف عن وجوده عن أصله، عن ماهيته. ولكن ألمس هذا الاختلاف الذي يصر على الاعتلال والتورم، أجد نفسي مرغماً رغم أنفي على تفصيل اعترافات أصيلة ومسهبة بعض الشيء حول وجوده، وأصله، وماهيته.

 

يقول الراوي يا سادة يا كرام...

لا حاجة بي إلى المقدمات. مللتها كلها جملة وتفصيلاً. تناقضي ينبع من فضاء احتمالي ومعقد، ومثبت الأركان.. لكنه عصي على الحل لأنه ببساطة: فضاء واحتمالي.

النظريات لطالما اصطدمت بالواقع، وأنا لست ذلك الانسان (النظري) إلا أنني أصطدم بالواقع، وكلما أخذت قسطاً من الراحة، واعتقدت أن زمان الصدمات ولى إلى الماضي، أعود إلى الوقوع في شركٍ تلو الآخر.


ولذلك،، ولأنه من واجبي كطفل ثلاثيني السنوات، يجب أن أضع حداً لهذه الحفر التي تشوه الاسفلت الجيد الذي يفخر به الطريق. علي أن ألغي وجودها إلى الأبد، أن يظل طريقي صفحة ملساء وسلسلة بدون انقطاعات ولا كدر.


خطوتين إلى الوراء ... ليس إلى الوراء تماماً، بل إلى الجنب. أخرج خارج حدود روايتي، ،، أحط بالرأس على الرحتين بخفة لأنظر بتمعن.

 

أعاني من أسلوب يدعى المنطق.. وأنا الذي نظّرت للكثيرين على أن المنطق ضرب من ضروب النسبية


-          نعم أنقطع عن الكتابة فجأة، ورحت أستجدي درج الألعاب الخاص بطفلتي ليهديني قلماً.. ولا أعترض إن كان أزرق اللون.

المنطق إذا يعييني...


يقول الراوي يا شباب.. (أنا أصبحت خارج حدود روايتي إذن.)


يتكالب الناس بعضهم على بعض على أمل أن يعيشوا على فتات بعضهم، ليست علاقة تبادلية على الإطلاق، وإن كان التبادل سمة أساسية في جزيئاتها ولكنك لا تحتاج إلى (التكالب) إذا كان لجى الآخر شيء تبادله بشيء لديك، فذلك لطالما وصف بأنه علاقة (إنسانية).

التكالب يحدث حينما تأخذ فتات الآخر، هذا الآخر قد لا يحتاج هذا الفتات وبذا تعيش أنت في حظ وفير..

أما أن يكون الفتات هو كل م يملك الآخر،، فذاك تكالب كلبي..


يعني أنت كلب..


هذا ما لا أفهمه في اللعبة، لعبة الكلاب هذه.. كيف أستطيع أن أحمي فتاتي من السرقة؟.. وكيف أيضاً أستطيع أن أتجرأ وأخطف فتات الآخرين؟ باختصار، كيف لي أن أدخل اللعبة والمنطق النسبي خاصتي لا يجعلني سوى فتاتاً مشرعاً للصعاليك وأبناء السبيل؟..

 

أراجع نفسي قليلاً.. هل أخطأت في التوصيف؟؟


في حارتنا ديكٌ جميل.. منفوش الريش منتفخ الصدر شامخ العرف صادح الصوت.. واثق الخطوة..

الديك الآخر لا يقل جمالاً، فريشه ملون، وحجمه كبير.. ويبدى براعة حين يتعلق الأمر برعاية دجاجاته، أوصياح الفجر.. ولكنه في بعض الأحيان يبدو شروداً عن مهمته ويعهد بها إلى القادم الجديد صغير السن حديث الخبرة..


الديك الجديد لا يتوانى عن الظهور..


يبدو لي، وأنا الواقف على شرفة الموقف، أراقب كلاب الحارة وديوكها أن الأمر يتعلق بالحيوية، وبالحياة نفسها، والحماس للدخول فيها، يتعلق بالانخراط فيها بدون توقف، باستغلال كل تفاصيلها.

 

لم أجد بعد الحل الذي يرضيني.. ولا أرغب في النوم قبل أن أجده.. بعد أن غمرني الصمت الذي أسبغتُ به على مقامنا الكريم....

تتراءى لي السيناريوهات المحتملة.

 

كلها تصطدم فيّ، وتوجعني.

وتراني أنكفئ على ذاتي،،،، وأتقهقر.

ثم نمت.

0 كتبوا ردوداً:

إرسال تعليق

تحية

لذتي التي كادت أن تكون وحيدة في هذا العالم المؤطر بالنسيان، هي أن أكتب لك، ولك أن ترى كم أعاني في عالم يفتقد لرائحة اللذة، والفرح، فاعذرني، ما استطعت إليّ سبيلا..